د. أيمن الزيني: لابد من تحقيق التوازن بين حرية الإبداع والمسئولية الاجتماعية
د. غانم السعيد: الفن لا يخدم الوعي بل يكتفي بإشعال الجدل
مصطفى الأزهري: تقديم خطاب يجمع بين الدليل العقلي والنور الإيماني
محمود رضوان : الجدل بسبب "جرأة الموضوع" وقضايا التطرف الفكري
أثار فيلم "الملحد" للكاتب إبراهيم عيسى انقساماً نقدياً، حيث رأى نقاد أنه عالج القضية بتبسيط مفرط وصدر الإلحاد كرد فعل نفسي لا فكري، مما أضعف الدراما، بينما رأى آخرون، أنه فيلم عادي يدعو للإيمان وينبذ الإلحاد والضجة حوله مبالغ فيها، مع أداء تمثيلي متواضع.
وأشار نقاد آخرون إلى أن الفيلم تخوف من التوغل في الأسئلة الفلسفية المعقدة لرحلة الشك، مما جعله يظهر الإلحاد كرد فعل اجتماعي وشخصي (مشكلة مع الأب) أكثر من كونه فكراً متماسكاً، مما أضعف مصدقية التحول الدرامي.
ووصفت نهاية الفيلم بـ"المفروضة قسراً" لإرضاء الرقابة، حيث عاد الابن للدين بشكل لا ينسجم تماماً مع المسار الدرامي السابق، والفيلم لا يحمل رعباً أو تهديداً كما أشيع، بل ينبذ الإلحاد، وأن الجدل نشأ بسبب العنوان والمناخ المحافظ..."اللواء الاسلامى" تناقش قضية الفيلم من منظور إسلامي في التحقيق التالى.
فى البداية يقول د. أيمن رمضان الزيني أستاذ القانون بكليات الحقوق جامعات طنطا والسادات وحلوان والمحامي بالنقض والدستورية العليا أن فيلم "الملحد" هو عمل درامي مصري أثار جدلاً واسعاً عند عرضه، حيث تناول موضوع الإلحاد والشك الديني في المجتمع المصري، وتقييم الفيلم يقتضى أولاً لتقييم القضية التي تناولها الفيلم، ثم تقييم طريقة التناول والسياق الدرامى، فبالنسبة للقضية التي تناولها الفيلم، إشكالية الإلحاد تعد من القضايا الشائكة التي أثارت جدلاً واسعاً في السنوات الأخيرة، علي الرغم أن مصر مجتمع محافظ يتمسك بالدين، ومن الصعوبة بمكان القياس الدقيق لحجم هذه الإشكالية، نظراً لعدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة، والخوف من الإفصاح بسبب الوصمة الاجتماعية والعقوبات القانونية التي تنتظر من يسلك هذا النهج المنحرف .
ويرى د. رمضان أن إشكالية الإلحاد في المجتمع المصري معقدة متعددة الأبعاد، لها أسباب فكرية ونفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية، وترجع أسبابها إلى التعليم الديني التلقيني غير العقلاني، وعدم الإجابة على التساؤلات الفلسفية العميقة، والاعتماد على الحفظ دون الفهم، وغياب تعليم أصول العقيدة بطريقة علمية، وقراءة كتب الفلاسفة الملحدين (داروين، دوكينز، هاريس، هيتشنز)، والتأثر بالفلسفة الوجودية والعدمية، وتقليد النموذج الغربي دون تمحيص، والاغتراب الاجتماعي والثقافي، والخطاب الديني التقليدي الجامد غير المواكب للعصر، واعتماد الخطاب الديني على التخويف بدلاً من الإقناع، استغلال الدين للمصالح الشخصية، وممارسات العنف باسم الدين.
النقاش البناء
ويشير د. رمضان إلى أن التناقض بين الوعظ والسلوك، والتناقض بين الفتاوى الدينية، والتشدد في القضايا الفرعية، استخدام الدين في الصراعات السياسية، والادعاء الديني من قبل الحكام الفاسدين، وربط الدين بأنظمة سياسية فاشلة، وقمع الحريات باسم الدين، والفتن الطائفية والتمييز الديني، كل هذه الأمور من الأسباب في انتشار هذه الإشكالية، بالإضافة إلى الأفلام والمسلسلات التي تشكك في الدين، والبرامج التلفزيونية التي تطرح شبهات دون ردود كافية .
ويؤكد د. رمضان أن هذه القضية الموجودة بالفعل في المجتمع، من الأفضل مناقشتها علناً بدلاً من إخفائها، كما يجب أن تقابل بردود علمية وفكرية قوية بدلاً من المنع أو التكفير، وأن تواجه بالحوار والنقاش البناء بدلاً من القمع، كما أن هناك ضرورة لتطوير الخطاب الديني ليواكب التحديات المعاصرة، فمنع النقاش لا يحل المشكلة بل يدفعها للخفاء، والتشدد يؤدي إلى نتائج عكسية (ظاهرة ستايزند)، ويعطي انطباعا غير حقيقي بعدم الثقة في قوة الحجج الإسلامية، ويوحي بالضعف، والإسلام نفسه جاء في بيئة مليئة بالتحديات الفكرية وواجهها بالحجة، كما أن القرآن ناقش شبهات المشركين والملحدين ولم يمنع طرحها .
ويوضح د. رمضان أنه من حيث تقييم طريقة التناول والسياق الدرامي: فإن الفيلم فتح باباً هاماً للحوار حول قضايا الإيمان والشك، حيث يعتبره البعض فرصة لمناقشة الشبهات التي قد تعترض بعض الشباب بطريقة علنية بدلاً من تجاهلها، خاصة أن بعض آيات القرآن قد احتوت على حوارات مع المشككين والمنكرين، مما يدل على أهمية المناقشة العقلانية لهذه الفكرة الخاطئة، كما صور الفيلم معاناة الملحد، حيث أظهر الفيلم المعاناة النفسية والاجتماعية التي يمر بها الشخص الذي يفقد إيمانه، وهو ما قد يكون رادعاً للبعض ويوضح خطورة هذا المسار، كما أن انتهاء الفيلم بعودة البطل للإيمان، يعد بمثابة رسالة إيجابية تؤكد أن الباحث الصادق يصل حتماً إلى الحقيقة، فهو يعد بمثابة إثارة للتفكير، وتحفيز للشباب على البحث والتعمق في دينهم، وكذا دفع المؤسسات الدينية لتطوير منهجية خطابها .
التحديات الفكرية
ويضيف د. أيمن رمضان: يؤخذ علي الفيلم طريقة عرض بعض المشاهد التي تتسم بالاستفزازية والطابع التجاري البحت، وكان من الممكن معالجة الموضوع بصورة أكثر عمقاً ومنهجية، كما يؤخذ عليه ما قد يحمله من تأثير على ضعاف الإيمان، وكذا ما يثيره من قلق بشأن تأثير بعض الحجج المطروحة على من لديهم معرفة دينية محدودة، ويؤخذ أيضا ما قد يحمله من تأثير في زرع الشكوك دون تقديم ردود كافية، وكذا التبسيط المخل في تناول بعض الأفكار، واختزال قضايا فلسفية ولاهوتية معقدة في حوارات بسيطة، وعدم تقديم الحجج الإسلامية بعمق كافٍ .
كما يؤخذ علي الفيلم توقيت وسياق طرحه للمشاهدة، حيث طرح الفيلم للمشاهدة في مجتمع يعاني من الكثير من التحديات الفكرية، مما قد يترتب عليه العديد من الآثار السلبية، والحقيقة أنه وأن كان موضوع الفيلم يعكس أزمة حقيقية في المجتمع، وهناك حاجة لفهم أسباب هذه الإشكالية، فالمشكلة ليست في الفيلم بل في الواقع الذي يعكسه ،كما أنه على مستوى الخطاب الديني، فهناك ضرورة ملحة لتطوير الخطاب الديني ليتناسب مع العصر، وتعليم الشباب أصول الإيمان بطريقة عقلانية، وهو ما يقتضي ضرورة لوجود علماء قادرين على الرد على الشبهات المعاصرة، كما أنه ضرورة لبناء الثقة والحوار بدلاً من القمع .
ويرى د. رمضان أنه بالنسبة للفيلم فأن طريقة التناول والمعالجة تفتقد لأبسط درجات الفهم والوعي العلمي، ومراعاة حساسية المجتمع عند تناول القضايا الدينية، وكذا تفتقر للتوازن بين الجرأة والمسئولية، وأهمية تقديم معالجة فنية عميقة لا سطحية، وضرورة الحرص على عدم الإساءة غير المبررة، فالفيلم غلب عليه المنظور التجاري وبعد كل البعد عن المسئولية المجتمعية، فإن كان هناك ضرورة مجتمعية لتعلم ثقافة الحوار وقبول الاختلاف، فهناك أيضا ضرورة لتمييز أي عمل فني بين طرح الفكرة والترويج لها، وتحقيق التوازن بين احترام حرية الإبداع والمسؤولية الاجتماعية، وبين الانفتاح والحفاظ على الهوية، كما أن هناك ضرورة لمراعاة أي عمل فني لحساسية المجتمع، والبحث العميق قبل تناول القضايا الدينية، وتقديم معالجة متوازنة للمشكلة التي يتناولها العمل الفني بدلاً من التناول السطحي لها، واستهداف بناء القيم والأخلاق، بدلاً من استهداف عدد المشاهدات والأرباح علي حساب القيم المجتمعية والدينية .
المعالجة الفنية
ويشير د. غانم السعيد عميد كليتي اللغة العربية والإعلام بجامعة الأزهر سابقا إلى أن الفن لم يعد يكتفي بسرد الحكايات أو صناعة الترفيه، بل بات ساحة مفتوحة للأسئلة الكبرى، وفي مقدمتها سؤال الإيمان والشك. وفي هذا الإطار يبرز فيلم «الملحد» بوصفه عملًا أثار جدلًا واسعًا، ليس فقط بسبب موضوعه، بل بسبب توقيته وطريقة تقديمه، وكأنه يطرق بابًا حساسًا في الوعي الجمعي دون تمهيد كافٍ، الفيلم – أو الفكرة التي يقف خلفها – لا يناقش الإلحاد بوصفه قضية فكرية معقّدة، بقدر ما يقدّمه بوصفه حالة درامية، وهذا في حد ذاته ليس خطأ. غير أن الإشكال يبدأ حين تتحول الحالة إلى رسالة، وحين يتقدّم الانفعال على الفكرة، والصورة على المعنى.
ويرى د. غانم أن عنوان «الملحد» يحمل قدرًا كبيرًا من الاستفزاز المتعمد، فالعنوان هنا لا يفتح باب السؤال بقدر ما يفرضه، ولا يدعو إلى التفكير بقدر ما يدفع إلى الاصطفاف. وفي الأعمال الثقافية، يكون العنوان أحيانًا أكثر خطابية من النص نفسه، وهو ما حدث هنا؛ إذ سبق الجدلُ الفيلمَ، وسبق الحكمُ المشاهدة، مشيرا إلى أن الإلحاد في الواقع الإنساني ليس حالة واحدة، ولا مسارًا متشابهًا، بل نتيجة تراكمات نفسية واجتماعية وفكرية. غير أن المعالجة الفنية كثيرًا ما تميل إلى الاختزال: شاب غاضب، صدمة ما، صراع مع خطاب ديني قاسٍ، ثم قطيعة نهائية، وهذه الصورة، رغم شيوعها، لا تمثل الظاهرة بقدر ما تسهّل استهلاكها دراميًا.
ويضيف: في مقابل المساحة الواسعة التي تُمنح للشك، غالبًا ما يُقدَّم الإيمان في الأعمال المشابهة بوصفه منظومة جامدة أو خطابًا سلطويًا، لا تجربة روحية إنسانية، وهنا يختل التوازن؛ فالفن الذي ينتصر لفكرة عبر تشويه نقيضها لا يكون محايدًا، حتى وإن ادّعى ذلك، ولا خلاف على أن الفن الجريء مطلوب، وأن طرح الأسئلة الحساسة ضرورة ثقافية. لكن الجرأة لا تعني الصدمة وحدها، كما أن مناقشة القضايا العقدية لا تعني تفريغها من عمقها، والفن الثقافي الحقيقي لا يقدّم أجوبة جاهزة، لكنه أيضًا لا يترك المشاهد في فراغ كامل، متكئًا على الإبهار وحده.
ويؤكد د. غانم أن قضية الإلحاد أوسع من فيلم، وأعمق من مشهد، وأخطر من أن تُختزل في قالب درامي سريع. وما نحتاجه اليوم ليس أعمالًا ترفع سقف الجدل فحسب، بل أعمالًا تُحسن إدارة السؤال، وتفرّق بين نقد التدين الخاطئ، والطعن في الإيمان ذاته، فحين يتحول السؤال الوجودي إلى مادة فنية، يبقى الرهان الحقيقي: هل يخدم الفن الوعي، أم يكتفي بإشعال الجدل؟
كيفية التناول
ويوضح الداعية الإسلامي مصطفى شلبي الأزهري من علماء الأزهر الشريف أن فيلم الملحد – بغضّ النظر عن مستواه الفني – يكشف عن أزمات في مجتمعاتنا، أهمها أزمة خطاب ديني جامد، وخطاب فني مستفز، وغياب مساحة الحوار الرشيد بين العقل والإيمان، والمطلوب أعمالًا تُجيد الفهم وتفتح مجالاً للأسئلة دون أن تهدم المعنى، فالإشكالية ليست في تناول قضية الإلحاد في عمل فني بل في كيفية التناول، فهل الفيلم قدِّم الإنسان الشاك بوصفه حالة إنسانية معقدة تبحث عن معنى؟ أم قُدِّم الإيمان بوصفه سبباً مباشراً للقهر والتخلف ؟
ويرى الشيخ مصطفى أنه من المنظور الإسلامي، نجد أن الإيمان ليس هشًّا فالإسلام لا يخشى السؤال، بل دعا إليه؛ والقرآن الكريم ملئ بدعوات التفكر والنظر والتدبر، قال تعالى : ﴿أفلا يتدبرون﴾، ﴿قل انظروا ماذا في السموات والأرض﴾، لكن السؤال شيء، وتحويل الشك إلى حالة مستقرة ومبررة دون معالجة علمية شيء آخر، ولابد من التفريق بين الدين والتدين فمن القواعد الراسخة في الفكر الإسلامي، أن الدين وحيٌ معصوم، أما التدين فهم بشري يخطئ ويصيب، وعليه، فإن كل ظلم أو قسوة أو تناقض يُرتكب باسم الدين لا يُنسب إلى الدين ذاته، بل إلى إساءة الفهم أو سوء التطبيق. وأي عمل فني يُسقِط أخطاء المتدينين على أصل الإيمان يقع في خلطٍ منهجي.
ويؤكد الشيخ مصطفى أن الشريعة الإسلامية لا تُعالج الإلحاد باعتباره موقفا “عصريا” أو نتاجاً للتطور، بل ترى فيه خللًا في التصور المعرفي، يترتب عليه فراغ روحي واضطراب قيمي، ومع ذلك، فإن المنهج النبوي لم يكن قمعياً في مواجهة الشكوك، بل حوارياً رحيما، يجيب ولا يسخر ويحتوي ولا يقصي. والسيرة النبوية بها الكثير من المواقف تؤيد ذلك، مشيرا إلى أن الإسلام يقر بحرية التعبير، لكنه لا يفصل الحرية عن المسؤولية الأخلاقية والمجتمعية، فالفن الذي يتناول قضايا عقدية كبرى مطالب بألا يثير الشبهات دون بيان، ولا يهدم الثوابت دون تقديم رؤية علمية رشيدة، خاصة في مجتمعات تتفاوت مستويات الوعي فيها.
ويرى الشيخ شلبي أن المشكلة الأساسية ليست في طرح قضية الإلحاد، بل في تلقيها من قِبَل شباب يفتقدون أدوات التفكير النقدي والشرعي، ومن هنا تتأكد مسؤولية المؤسسات الدينية والثقافية في تقديم خطاب عقلاني يجمع بين الدليل العقلي والنور الإيماني، بدل ترك الساحة لأعمال فنية تطرح السؤال دون جواب متزن مستنير، وفيلم الملحد – كغيره من الأعمال الجدلية – يجب أن يكون دافعا لتجديد الخطاب الدعوي، وفتح مساحات حوار تحصّن الإيمان بدل أن تتركه فريسة للشك.
طرح فلسفي
ومن جانب آخر يقول الناقد الفنى محمود رضوان : فيلم "الملحد" تأليف إبراهيم عيسى وإخراج محمد العدل، يثير جدلاً واسعاً بجرأته في مناقشة رحلة شك وتطرف فكري، مصوراً الإلحاد كأزمة نفسية اجتماعية مرتبطة بصراع مع الأب المتشدد، أكثر من كونه طرحاً فلسفياً عميقاً، وأظهر الفيلم أداءً تمثيلياً قوياً من محمود حميدة وصابرين، ومن أبرز جوانب الفيلم، الفكرة والسيناريو فقد أشار التحليل إلى "تبسيط مفرط" في طرح الإلحاد. والفيلم يظهر الإلحاد كـ "رد فعل نفسي" نتيجة أزمة مع الأب، وليس مساراً فكرياً متماسكاً، وأثار الفيلم الجدل بسبب "جرأة الموضوع" وقضايا التطرف الفكري. ورغم الأداء القوي، تم تصوير الإلحاد بشكل طبيعي وليس "شيطانياً"، مما خفف من صدمة الموضوع المتوقعة.
ويؤكد رضون أن الفيلم يتناول الصراع بين "حرية الفن" وبين الرقابة والمجتمع، وشهد الفيلم أداءً قوياً من محمود حميدة (في دور الأب) وصابرين ونهاية الفيلم وصفت بأنها "مفروضة" لتهدئة الجدل، حيث يعود الابن للإيمان، مما يضعف الدراما.



